محمد جمال الدين القاسمي
368
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الأوهام . قال عليه الرحمة : هذا مقام يكثر خوض النفوس فيه . فإن كثيرا من الناس ، إذا أمر بما يجب عليه تعلل بالقدر وقال : حتى يقدّر اللّه ذلك ، أو يقدّرني اللّه على ذلك ، أو حتى يقضي اللّه ذلك . وكذلك إذا نهي عن فعل ما حرّم اللّه قال : اللّه قضاه عليّ بذلك ، ونحو هذا الكلام . والاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة . باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين . والمحتجّ به لا يقبل من غيره مثل هذه الحجة ، إذا احتج بها في ظلم ظلمه إياه وترك ما يجب عليه من حقوقه . بل يطلب منه ما له عليه ، ويعاقبه على عدوانه عليه . وإنما هو من جنس شبه السوفسطائية التي تعرض في العلوم . فكأنك تعلم فسادها بالضرورة . وإن كانت تعرض كثيرا للكثير من الناس . حتى قد يشك في وجود نفسه . وغير ذلك من المعارض الضرورية . فكذلك هذا يعرض في الأعمال حتى يظن أنها شبهة في إسقاط الصدق والعدل الواجب ، وغير ذلك . وإباحة الكذب والظلم وغير ذلك . ولكن تعلم القلوب بالضرورة أن هذه شبهة باطلة . ولهذا لا يقبله أحد عند التحقيق ولا يحتج بها أحد إلا مع عدم علمه بالحجة بما فعله . فإذا كان معه علم بأن ما فعله هو المصلحة ، وهو المأمور وهو الذي ينبغي فعله ، ولم يحتج بالقدر . وكذلك إذا كان معه علم بأن الذي لم يفعله ليس عليه أن يفعله ، أوليس بمصلحة أوليس هو مأمورا به - لم يحتج بالقدر . بل إذا كان متبعا لهواه بغير علم ، احتج بالقدر . ولهذا لما قال المشركون : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 148 ] ، قال اللّه تعالى : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [ الأنعام : 149 ] ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ فإن هؤلاء المشركين يعلمون بفطرتهم وعقولهم أن هذه الحجة داحضة وباطلة . فإن أحدهم لو ظلم الآخر أو حرج في ماله أو فرج امرأته أو قتل ولده أو كان مصرّا على الظلم فنهاه الناس عن ذلك فقال : لو شاء اللّه لم أفعل هذا - لم يقبلوا منه هذه الحجة . ولا هو يقبلها من غيره . وإنما يحتج بها المحتج دفعا للّوم بلا وجه . فقال اللّه تعالى : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا بأن هذا الشرك والتحريم من أمر اللّه ، وأنه مصلحة ينبغي فعله إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ فإنه لا علم عندكم بذلك ، إن تظنون ذلك إلا ظنا وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ وتفترون . فعمدتكم في نفس الأمر ظنكم وخرصكم . ليس عمدتكم في نفس الأمر كون اللّه شاء ذلك وقدّره . فإن مجرد المشيئة والقدرة لا تكون عمدة لأحد في الفعل . ولا حجة لأحد على أحد ولا عذرا لأحد . إذا الناس كلهم مشتركون في القدر . فلو كان هذا حجة وعمدة لم يحصل فرق بين العادل والظالم والصادق